محمد بن جرير الطبري
3
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
من شهيد يشهد أن لك شريكا . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثما أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله آذَنَّاكَ يقول : أعلمناك . حدثني محمد ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، في قوله : آذَنَّاكَ ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ قالوا : أطعناك ما منا من شهيد على أن لك شريكا . القول في تأويل قوله تعالى : وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ . . . مَسَّهُ الشَّرُّ يقول تعالى ذكره : وضل عن هؤلاء المشركين يوم القيامة آلهتهم التي كانوا يعبدونها في الدنيا ، فأخذ بها طريق غير طريقهم ، فلم تنفعهم ، ولم تدفع عنهم شيئا من عذاب الله الذي حل بهم . وقوله : وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ يقول : وأيقنوا حينئذ ما لهم من ملجأ : أي ليس لهم ملجأ يلجئون إليه من عذاب الله . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ استيقنوا أنه ليس لهم ملجأ . واختلف أهل العربية في المعنى الذي من أجله أبطل عمل الظن في هذا الموضع ، فقال بعض أهل البصرة فعل ذلك ، لأن معنى قوله : وَظَنُّوا استيقنوا . قال : و ما هاهنا حرف وليس باسم ، والفعل لا يعمل في مثل هذا ، فلذلك جعل الفعل ملغى . وقال بعضهم : ليس يلغي الفعل وهو عامل في المعنى إلا لعلة . قال : والعلة أنه حكاية ، فإذا وقع على ما لم يعمل فيه كان حكاية وتمنيا ، وإذا عمل فهو على أصله . وقوله : لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ يقول تعالى ذكره : لا يمل الكافر بالله من دعاء الخير ، يعني من دعائه بالخير ، ومسألته إياه ربه . والخير في هذا الموضع : المال وصحة الجسم ، يقول : لا يمل من طلب ذلك . وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ يقول : وإن ناله ضر في نفسه من سقم أو جهد في معيشته ، أو احتباس من رزقه فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ يقول : فإنه ذو يأس من روح الله وفرجه ، قنوط من رحمته ، ومن أن يكشف ذلك الشر النازل به عنه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ يقول : الكافر وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ قانط من الخير . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ قال : لا يمل . وذكر أن ذلك في قراءة عبد الله : " لا يسأم الإنسان من دعاء بالخير " . القول في تأويل قوله تعالى وَلَئِنْ أَذَقْناهُ . . . بَعْدِ ضَرَّاءَ . . . لَلْحُسْنى . . . غَلِيظٍ يقول تعالى ذكره : ولئن نحن كشفنا عن هذا الكافر ما أصابه من سقم في نفسه وضر ، وشدة في معيشته وجهد ، رحمة منا ، فوهبنا له العافية في نفسه بعد السقم ، ورزقناه مالا ، فوسعنا عليه في معيشته من بعد الجهد والضر . لَيَقُولَنَّ هذا لِي عند الله ، لأن الله راض عني برضاه عملي ، وما أنا عليه مقيم ، كما : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد لَيَقُولَنَّ هذا لِي : أي بعملي ، وأنا محقوق بهذا . وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً يقول : وما أحسب القيامة قائمة يوم تقوم . وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي يقول : وإن قامت أيضا القيامة ، ورددت إلى الله حيا بعد مماتي . إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى يقول : إن لي عنده غنى ومالا . كما : حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، في قوله : إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى يقول : غنى . فَلَنُنَبِّئَنَّ . . . عَمِلُوا يقول تعالى ذكره : فلنخبرن هؤلاء الكفار بالله ، المتمنين عليه الأباطيل يوم يرجعون إليه بما عملوا في الدنيا من المعاصي ، واجترحوا من السيئات ، ثم لنجازين جميعهم على ذلك جزاءهم . وَلَنُذِيقَنَّهُمْ